نفذت فيزا وماستركارد أولى معاملات البطاقات الدولية داخل سوريا منذ أكثر من 15 عامًا، في خطوة أولية نحو إعادة ربط البلاد بشبكات الدفع العالمية. ويعكس هذا التطور تحسنًا في الوصول المالي عقب تغييرات في السياسة الأمريكية، إلا أن إعادة الاندماج الأوسع ستظل مرتبطة بالعلاقات المصرفية بالمراسلة، والامتثال التنظيمي، وثقة المؤسسات الدولية.
في بلد اعتاد فيه السوريون الاعتماد على النقد حتى في أبسط معاملاتهم اليومية، شهدت سوريا يومي 26 و27 أغسطس تطورين تجاوزت دلالاتهما مجرد تنفيذ عمليتي دفع.
فقد أجرت فيزا وماستركارد، كل على حدة، أولى عمليات الدفع الدولية بالبطاقات داخل سوريا منذ أكثر من 15 عامًا، في خطوة باتجاه إعادة ربط البلاد، ولو جزئيًا، بشبكات الدفع العالمية.
وفي 24 أغسطس، أنهى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو رسميًا تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، وهو تصنيف ظل قائمًا منذ عام 1979. وجاء القرار بعد انتهاء فترة المراجعة في الكونجرس البالغة 45 يومًا، ودخل حيز التنفيذ فورًا.
معاملتان بفارق زمني قصير
في 26 أغسطس، أعلنت فيزا أنها نفذت أول معاملة دولية فعلية بالبطاقات في سوريا، بالتعاون مع بنك فرنسبنك اللبناني بصفته المؤسسة المالية المستحوذة، وشركة «بيميرا» السورية للدفع الإلكتروني، المملوكة لصندوق السيادة السوري، بحسب رويترز.
وشارك الرئيس السوري أحمد الشرع في الاختبار من خلال إجراء عملية دفع ببطاقة فيزا في أحد مطاعم دمشق القديمة، بحضور حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان.
كما أعلنت ماستركارد ومجموعة QNB المصرفية القطرية إتمام أول معاملة دفع دولية متكاملة بالكامل في سوريا، عقب إعادة الربط التقني لمنظومة المدفوعات السورية بشبكة ماستركارد العالمية. ونُفذت المعاملة عبر QNB سوريا باستخدام بطاقة ماستركارد دولية لدى تاجر محلي معتمد.
وتشير بيانات الشركات إلى أن كل معاملة أُجريت بصورة مستقلة وباستخدام شركاء مصرفيين وتقنيين مختلفين. وتخطط QNB سوريا لتوسيع الخدمة تدريجيًا، عبر ضم التجار المؤهلين على مراحل وفقًا للمتطلبات والموافقات التنظيمية، بحسب المعلومات المنشورة من مجموعة QNB.
العوائق القانونية ومخاطر الامتثال
لم تغب خدمات البطاقات الدولية عن سوريا لمدة 15 عامًا بسبب عائق تقني، بل نتيجة قيود قانونية وتنظيمية. ووفقًا لرويترز، شكل تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، منذ عام 1979 وحتى 24 أغسطس 2026، عامل ردع رئيسيًا أمام المؤسسات المالية الدولية.
وحتى بعد إنهاء واشنطن برنامج العقوبات الشاملة على سوريا في يوليو 2025، ثم إلغاء قانون قيصر في ديسمبر من العام نفسه، مع استمرار العقوبات المستهدفة على أفراد وكيانات محددة، ظل تصنيف الإرهاب يفرض مخاطر قانونية ومتطلبات امتثال أمام المصارف التي تدرس التعامل مع السوق السورية.
وأوضح مصرف سوريا المركزي، في تصريحات نقلتها رويترز، أن إطلاق معاملات فيزا وماستركارد الدولية لم يكن مرتبطًا بحدث واحد، وأن الاستعدادات التقنية والتنظيمية بدأت قبل ذلك بأشهر. إلا أن إزالة القيود والتصنيفات أسهمت في تحسين بيئة العمل أمام المصارف الدولية وشركات التكنولوجيا المالية.
ماذا يعني ذلك عمليًا؟
بحسب المعلومات الرسمية الصادرة عن مصرف سوريا المركزي، تتيح الخدمة في مرحلتها الحالية للتجار المؤهلين داخل سوريا، بما في ذلك الفنادق والمطاعم والجهات الحكومية، قبول المدفوعات الدولية من خلال فيزا وماستركارد. وبالنسبة إلى الزوار الأجانب، يعني ذلك إمكانية استخدام بطاقاتهم الدولية أثناء وجودهم في سوريا.
لكن الخدمة لم تصل بعد إلى تغطية شاملة على مستوى البلاد. ووفقًا للمصرف المركزي، سيكون التوسع تدريجيًا وخاضعًا للموافقات التنظيمية. كما لا تزال هناك تحديات مهمة، في مقدمتها محدودية العلاقات المصرفية بالمراسلة. ويعمل المصرف المركزي على إعادة بناء هذه العلاقات وتوسيع القنوات الرسمية للتحويلات والمدفوعات عبر الحدود، لكنه لم يحدد جدولًا زمنيًا لإعادة اندماج سوريا بصورة أوسع في النظام المالي العالمي.
كما لا تزال العقوبات الأمريكية المستهدفة على بعض الأفراد والكيانات سارية، ما يحد من نطاق المعاملات المالية المسموح بها. وأشار المصرف المركزي أيضًا إلى أن التغطية الجغرافية لا تزال محدودة، إذ تتوافر الخدمة حاليًا لدى مجموعة مختارة من التجار وليس على نطاق البلاد بالكامل.
ما دور السياسة الأمريكية؟
جاءت هذه المعاملات بعد يومين فقط من إزالة وزارة الخارجية الأمريكية سوريا رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 24 أغسطس، عقب انتهاء فترة المراجعة في الكونجرس من دون اعتراض.
وفي اليوم نفسه، ألغت وزارة الخارجية تصنيف «جبهة النصرة»، المعروفة أيضًا باسم «هيئة تحرير الشام»، كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة تصنيفًا خاصًا، فيما أزال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) الجماعة من قائمة الأشخاص والكيانات المحددة بصورة خاصة والمحظور التعامل معها، المعروفة بقائمة SDN، كما ألغى الترخيص العام رقم 25 بعد انتفاء الحاجة إليه.
ووصف الرئيس السوري أحمد الشرع القرار بأنه «تاريخي»، وقال في كلمة مصورة إن سوريا تتخلص من وصمة مظلمة وتطوي صفحة من ماضيها بينما تستعد للانتقال نحو التنمية وإعادة الإعمار.
وقبل صدور القرار، كان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد وصف التصنيف بأنه «العقبة الأخيرة» أمام إعادة ربط سوريا بالنظامين المالي والاقتصادي العالميين وتشجيع الاستثمار. وقال إن التصنيف كان مرتبطًا بسياسات النظام السابق وليس بخيارات الشعب السوري، وإن إزالته تعكس التحول الذي قاده السوريون والتزام الحكومة الجديدة بالتعاون مع المجتمع الدولي. وأضاف أنه «لم يعد هناك أي عائق أمام الاستثمار وممارسة الأعمال وإعادة بناء الحياة الاقتصادية في سوريا».
كما ظهرت مؤشرات أولية على اهتمام مؤسسات دولية بالسوق السورية. ففي 12 أغسطس، عقدت وزارة المالية السورية، برئاسة وزير المالية محمد يسر برنية، اجتماعًا افتراضيًا مع مسؤولين كبار في بنك أوف أميركا لبحث مجالات الاهتمام المشترك وفرص التعاون وإعادة الاندماج المالي.
وكان تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب يترتب عليه أربع فئات رئيسية من القيود الأمريكية، من بينها قيود على المساعدات الخارجية وصادرات ومبيعات الدفاع، وضوابط أكثر تشددًا على المواد ذات الاستخدام المزدوج، وقيود مالية وتجارية إضافية. كما كان يلزم واشنطن بمعارضة بعض عمليات الإقراض للدول المصنفة عبر البنك الدولي وغيرها من المؤسسات المالية الدولية.
الأهمية بالنسبة للسياسة الأمريكية
تمثل عودة المدفوعات الدولية بالبطاقات مؤشرًا مبكرًا على إعادة ارتباط سوريا تدريجيًا بالنظام المالي، لكنها لا ينبغي أن تُفسر باعتبارها اندماجًا كاملًا في النظام المصرفي الدولي. فالتطور المباشر يتعلق بإتاحة المدفوعات لدى التجار، بينما يتمثل السؤال الأوسع للسياسة العامة في ما إذا كانت المصارف الدولية ستعيد بناء علاقات المراسلة المصرفية وتوسع القنوات المالية الرسمية مع سوريا.
ومن منظور المراجعة في الكونجرس، ستشمل المؤشرات الرئيسية سرعة استعادة العلاقات المصرفية بالمراسلة، وقدرة المؤسسات السورية على تلبية متطلبات الامتثال والتنظيم، واستمرار تطبيق العقوبات الأمريكية المستهدفة، وما إذا كان توسيع الوصول المالي سيتحول إلى تجارة واستثمارات مشروعة وتعافٍ اقتصادي فعلي.
ومع ذلك، لا يعني القرار أن رؤوس الأموال والاستثمارات الدولية ستتدفق تلقائيًا إلى سوريا. فبحسب مصادر مصرفية، سيتعين على الشركات والمؤسسات المالية تحديث تقييماتها للمخاطر القانونية، وإجراء العناية الواجبة بشأن الأطراف السورية التي تتعامل معها، والتأكد من عدم ارتباطها بأفراد أو شبكات لا تزال خاضعة للعقوبات.
وتكمن أهمية القرار في أنه يستكمل سلسلة من الخطوات السابقة. فقد أنهت واشنطن برنامج العقوبات الشاملة على سوريا في يوليو 2025، ثم أُلغي قانون قيصر في ديسمبر من العام نفسه، بينما ظل تصنيف الدولة الراعية للإرهاب مصدرًا مستقلًا للمخاطر استمر في ردع المستثمرين والمؤسسات المالية عن التعامل مع سوريا.
ومع إزالة التصنيف، أُزيل أيضًا الأساس القانوني للقيود الناشئة حصريًا عن هذا الوضع، ما يفتح مجالًا إضافيًا للتعاون المالي والمساعدات والاستثمار. ومع ذلك، تحذر مصادر مصرفية من توقع نتائج فورية. فإعادة الاتصال بشبكات الدفع العالمية تمثل خطوة أولى مهمة، لكن الاندماج الكامل في النظام المالي الدولي سيتطلب إعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية مع المصارف العالمية، وهي عملية قد تستغرق وقتًا.
بقلم توني بسماجي