Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
عدم ضياع الحق بفقدان السند أو احتراقه في القانون السوري
استقر الفقه والاجتهاد القضائي السوري على أن الأصل هو وجوب الإثبات بالكتابة في التصرفات التي تتجاوز النصاب القانوني أو التي يشترط القانون إثباتها بسند خطي، إلا أن المشرع السوري أدرك أن الظروف القاهرة قد تؤدي إلى فقدان السند أو تلفه دون إرادة صاحبه، لذلك أجاز استثناءً الإثبات بالبينة الشخصية والقرائن عند ثبوت وجود مانع مادي أو أجنبي حال دون إبراز السند.
وقد كرست المادة (57) من قانون البينات هذا المبدأ عندما أجازت الإثبات بالشهادة إذا فقد الدائن سنده الكتابي بسبب أجنبي لا يد له فيه.
المقصود بالسبب الأجنبي
السبب الأجنبي هو كل حادث لا يمكن توقعه أو دفعه ويقع خارج إرادة صاحب السند، ومن ذلك:
- الحريق.
- السرقة.
- الفيضانات والكوارث الطبيعية.
- الحروب والاضطرابات الأمنية.
- التلف الناتج عن قوة قاهرة أو حادث فجائي.
ولا يكفي الادعاء بمجرد فقدان السند، بل يجب إثبات أن الفقدان وقع فعلاً وأنه كان نتيجة سبب أجنبي لا يعود إلى إهمال صاحبه أو تقصيره.
اجتهادات محكمة النقض السورية
نقض سوري رقم 1932 أساس 1165 تاريخ 1/10/1983
أكدت المحكمة أن من يدعي فقدان السند بسبب أجنبي يحق له إثبات وجود السند ومضمونه بالبينة الشخصية والقرائن مهما بلغت قيمة الالتزام، شريطة إثبات وجود السند سابقاً وفقدانه بسبب خارج عن إرادته.
نقض سوري رقم 1597 أساس 1457 لعام 1982
قررت المحكمة أن فقدان السند الكتابي بسبب حادث قاهر لا يحرم صاحبه من حقه، وإنما ينقل عبء الإثبات إلى وسائل الإثبات الاستثنائية التي يجيزها القانون.
نقض سوري رقم 1460 أساس 2074 تاريخ 30/6/1981
اعتبرت المحكمة أن احتراق الأوراق والمستندات نتيجة حادث ثابت يبرر اللجوء إلى البينة الشخصية لإثبات التصرف القانوني الذي كان ثابتاً بتلك المستندات.
نقض سوري رقم 669 أساس 766 تاريخ 27/4/1977
أكدت المحكمة أن ضياع السند لا يؤدي بذاته إلى سقوط الحق الموضوعي، لأن السند ليس الحق ذاته وإنما وسيلة لإثباته، فإذا تعذر تقديمه بسبب أجنبي جاز إثبات الحق بطرق أخرى.
السند ليس هو الحق
من المبادئ الراسخة في القضاء السوري أن:
“الحق شيء، والسند المثبت له شيء آخر.”
فاحتراق عقد البيع أو سند الدين أو عقد الهبة لا يؤدي تلقائياً إلى زوال الحق الناشئ عنه، وإنما يؤدي فقط إلى فقدان إحدى وسائل إثباته، ويبقى لصاحب الحق أن يثبت وجوده ومضمونه بالوسائل التي يجيزها القانون.
في القضايا العقارية والإرثية
كثيراً ما تثار مسألة احتراق أو فقدان:
- عقود البيع العرفية.
- عقود الهبة.
- المخالصات المالية.
- عقود الشراكة.
- سندات الدين.
- الوصايا غير الرسمية.
وفي هذه الحالات تستمع المحكمة إلى الشهود، وتستعين بالقرائن القضائية، والصور الضوئية، والمراسلات، والإقرارات، وأي دليل من شأنه تكوين قناعة قضائية بوجود السند ومضمونه قبل فقدانه.
أما إذا كان التصرف مسجلاً في السجل العقاري أو لدى الكاتب بالعدل أو محفوظاً في ملفات رسمية، فإن الأصل هو الرجوع إلى النسخ والسجلات الرسمية واستخراج صور مصدقة عنها، لأن هذه السجلات تبقى حجة قائمة بذاتها.
الخلاصة
استقر الاجتهاد السوري على قاعدة جوهرية مفادها أن:
احتراق الأوراق أو ضياع العقود لا يؤدي إلى ضياع الحقوق متى ثبت أن الفقدان كان نتيجة سبب أجنبي لا يد لصاحب الحق فيه، ويظل من حقه إثبات وجود السند ومضمونه بالشهادة والقرائن وسائر وسائل الإثبات التي يجيزها القانون.
وهذا الاتجاه يجسد مبدأ العدالة ومنع ضياع الحقوق بسبب ظروف قاهرة لا يتحمل صاحبها مسؤوليتها.🌿
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.