لم تعد المياه في سوريا مجرد قضية خدمية أو إنسانية، بل أصبحت أحد عناصر الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي، في ظل تراجع الموارد المائية وتدهور البنية التحتية وتزايد الضغوط المناخية. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في منطقة تتداخل فيها الأحواض المائية مع الحدود السياسية، ولا سيما في مرتفعات الجولان وحوض نهر الأردن، حيث تتقاطع الاعتبارات المائية مع المصالح الأمنية والاقتصادية لسوريا وإسرائيل ودول الجوار. ولهذا، فإن فهم أمن المياه يتطلب النظر إلى احتياجات السكان وإلى العلاقات بين الدول التي تتشارك الأحواض نفسها.
سوريا: تحديات مائية تتجاوز الجفاف
تعكس المؤشرات الدولية حجم الضغوط التي يواجهها قطاع المياه السوري. ففي فبراير/شباط 2026، أعلنت اليونيسف أن نحو 14.4 مليون شخص، بينهم ستة ملايين طفل، يحتاجون بصورة عاجلة إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة.
ووفق بيانات البنك الدولي الصادرة في أبريل/نيسان 2026، تراجعت إمدادات المياه بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل النزاع، وتضرر أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه ونحو 70% من محطات معالجة الصرف الصحي. كما انخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة إلى أقل من 700 متر مكعب سنوياً.
وتعكس هذه الأزمة تداخل عوامل عدة، تشمل سنوات النزاع، وتقادم الشبكات، ونقص الطاقة، وضعف القدرة التشغيلية، إلى جانب الجفاف والتغير المناخي وتراجع بعض التدفقات المائية العابرة للحدود. وفي أبريل/نيسان 2026، وافق البنك الدولي على منح بقيمة 225 مليون دولار لقطاعي المياه والصحة، منها 150 مليون دولار لمشروع المياه؛ وهي تمويلات معتمدة لا تعني اكتمال أعمال التأهيل.
الجولان وحوض الأردن: أهمية جغرافية واستراتيجية
تتمتع مرتفعات الجولان بأهمية استراتيجية نابعة من موقعها الجغرافي المرتفع وارتباطها بمنظومة مائية تضم الينابيع والمياه الجوفية وروافد نهر الأردن وبحيرة طبريا.
ومنذ سيطرة إسرائيل على معظم الجولان السوري عام 1967، ظلت المنطقة محوراً رئيسياً في العلاقات السورية الإسرائيلية، لأسباب تتعلق بالأرض والسيادة والاعتبارات الأمنية، إلى جانب أهميتها المائية والاقتصادية.
وفي عام 1981، اعتبر مجلس الأمن الدولي، بموجب القرار 497، أن فرض إسرائيل قوانينها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطل ولا أثر قانونياً دولياً له. وفي المقابل، اعترفت الولايات المتحدة عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. ويعكس هذا الاختلاف ضرورة الفصل بين المواقف السياسية والوضع القانوني وفق قرارات الأمم المتحدة.
وتبرز الأهمية الهيدرولوجية للجولان من خلال نهر بانياس، أحد الروافد الرئيسية لنهر الأردن الأعلى. ويغذي منظومة الأردن الأعلى أيضاً نهر الحاصباني القادم من لبنان ونهر دان. كما يرتبط نهر اليرموك، الذي تشترك في حوضه سوريا والأردن، بمنظومة نهر الأردن الأدنى. ولذلك فإن إدارة المياه في هذا النطاق ليست شأناً داخلياً لبلد واحد، بل ترتبط بتدفقات المياه واستخداماتها لدى أطراف عدة.
وقد شكلت مشاريع استغلال مياه نهر الأردن وروافده أحد موضوعات الخلاف الإقليمي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في مرحلة شهدت تنافساً متزايداً على الموارد اللازمة للزراعة والتنمية. وشكّلت مشاريع تحويل مياه المنابع جانباً من التوتر آنذاك، لكن المياه لم تكن السبب الوحيد للصراع؛ فقد تداخلت مع قضايا السيادة والحدود والأمن.
ومع تطور تقنيات تحلية المياه وإعادة استخدامها، خصوصاً في إسرائيل، تغيرت بعض معطيات الأمن المائي مقارنة بالعقود السابقة، إلا أن المصادر الطبيعية المشتركة لا تزال تحتفظ بأهميتها الاقتصادية والبيئية والاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يمثل الجولان بالنسبة إلى سوريا قضية سيادة وأرض وموارد طبيعية، بينما تنظر إسرائيل إلى المنطقة من زاوية أمنية واستراتيجية، إلى جانب اعتبارات الموارد والتنمية.
الحاصباني والوزاني والليطاني: امتداد الجغرافيا المائية
تتجاوز منظومة المياه في المنطقة الحدود السورية الإسرائيلية، إذ ينبع نهر الحاصباني من لبنان ويساهم في تغذية نهر الأردن، ما يجعل استخدام مياهه مرتبطاً باعتبارات إقليمية مشتركة.
وقد أظهر الخلاف حول مشروع ضخ المياه من نبع الوزاني عام 2002 حساسية إدارة الموارد العابرة للحدود، وأهمية التنسيق الفني لتجنب التوترات. وبحسب تقارير الأمم المتحدة، أثار الخلاف مخاوف من مواجهة عسكرية بين لبنان وإسرائيل، قبل أن تسهم جهود دبلوماسية شاركت فيها الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في احتوائه.
أما نهر الليطاني، الذي يجري بالكامل داخل لبنان، فيمثل مورداً وطنياً مهماً للري وتوليد الطاقة. ورغم ارتباط منطقة الليطاني تاريخياً بالتطورات الأمنية في جنوب لبنان، فإن النهر لا يشكل جزءاً من حوض الأردن، ويختلف وضعه الهيدرولوجي والقانوني عن الأنهار المشتركة. وهذا التمييز ضروري كي لا تختلط جغرافيا الموارد المائية بالخلافات السياسية المحيطة بها.
الأمن المائي والاستقرار الإقليمي
تكشف الحالة السورية أن الأمن المائي لا يعتمد على وفرة الموارد الطبيعية وحدها، بل يرتبط أيضاً بكفاءة إدارتها، واستمرارية البنية التحتية، والقدرة على التكيف مع التغير المناخي، فضلاً عن الاستقرار السياسي والأمني.
وفي العلاقات السورية الإسرائيلية، تمثل المياه أحد الأبعاد الاستراتيجية المرتبطة بالجغرافيا والسيادة والتنمية، لكنها ليست تفسيراً مستقلاً للصراع، الذي تحكمه اعتبارات تاريخية وسياسية وعسكرية أوسع.
وفي عام 2026، تجددت جهود الوساطة الأميركية في المحادثات الأمنية السورية الإسرائيلية لخفض التوتر. ولا تثبت المعلومات المنشورة أن تقاسم المياه كان موضوعاً مباشراً لهذه المحادثات؛ غير أن تجربة الأحواض المشتركة توضح لماذا يظل تبادل البيانات والتنسيق الفني عنصرين مهمين في إدارة المخاطر الإقليمية.
الأهمية للكونغرس الأميركي
بالنسبة إلى الكونغرس الأميركي، يربط الملف بين أولويات إقليمية متوازية: استقرار سوريا ولبنان، والمصالح الأمنية للدول المجاورة، وفاعلية الجهود الدبلوماسية الأميركية. كما تتيح مشاريع التأهيل الممولة دولياً مجالاً لمتابعة نتائج الإنفاق، بما في ذلك انتظام الخدمة وجودتها وعدد المستفيدين، من دون افتراض وجود تمويل أميركي مباشر لهذه المشاريع.
ويكتسب توفير المياه الآمنة أهمية إضافية في تهيئة الظروف للعودة الطوعية والمستدامة للاجئين السوريين، إلى جانب الأمن والسكن وفرص العمل. لكن تحسين الإمدادات لا يحسم النزاعات السياسية، كما أن إدارة الأنهار المشتركة وحدها لا تضمن السلام. ويظل الأمن المائي أحد عوامل التعافي والاستقرار الطويل الأمد، بما يستدعي قراءة فنية دقيقة لا تختزل النزاعات الإقليمية في الصراع على الموارد.
إعداد: أنطوان بصمه جي