للمرة الأولى في سوريا، أفضت تحاليل الحمض النووي (DNA) إلى تحديد هوية رفات مفقودين في ثلاث قضايا خلال عام 2026، في تطور يمنح عائلات كثيرة أملاً جديداً بمعرفة مصير ذويها، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم التحديات التي تواجه بناء منظومة وطنية قادرة على التعامل مع أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً في البلاد.
ووفق تقرير نشرته وكالة رويترز في 20 تشرين الأول الجاري، أنجزت الهيئة الوطنية للمفقودين حالتي تعرُّف، فيما نفذت منظمات سورية ودولية الحالة الثالثة، التي شملت تحديد هوية سبعة أفراد من عائلة واحدة فُقد أفرادها خلال المعارك في مدينة الرقة عام 2017. ولا تعني هذه النتائج حسم ملف المفقودين على نطاق أوسع، لكنها تقدم دليلاً عملياً على إمكانية استخدام الأدلة الجنائية والتحليل الجيني لتقديم إجابات طال انتظارها.
تسعة أعوام من الانتظار
تتمثل إحدى أبرز الحالات في حالة "منار عليوي"، التي فُقدت مع زوجها وأطفالها الخمسة خلال المعارك التي شهدتها الرقة في آب 2017، عندما كانت العائلة تحتمي داخل مبنى سكني تعرّض للدمار في غارة جوية يُشتبه بأنها نُفذت خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش".
وبحسب مركز العدالة والمساءلة السوري (SJAC)، عُثر في عام 2024 على رفات بشرية بين أنقاض المبنى، قبل أن تُستخرج وتخضع للفحوص والتحقيقات بمشاركة الفريق السوري للمفقودين والطب الشرعي، وساعدت وثائق عُثر عليها في الموقع، إلى جانب إفادات الأقارب ومقارنة الملابس الظاهرة في صور عائلية في تحديد هوية أفراد الأسرة والوصول إلى ذويهم لجمع العينات المرجعية اللازمة.
وبعد تحليل العينات ومقارنتها بالمعلومات التي جمعها المحققون، أكدت مؤسسة الأنثروبولوجيا الجنائية في غواتيمالا (FAFG) أن الرفات تعود إلى "منار عليوي"، وزوجها وأطفالهما الخمسة، وأُبلغ أفراد الأسرة الناجون بالنتائج في أيلول 2026، وفقاً للمركز.
وقال "محمد حمادة"، نجل "منار"، والناجي الوحيد من أسرته المباشرة، لوكالة "رويترز": إن تحديد الهوية يتيح للعائلة دفن ذويها وزيارة قبورهم، ويخفف عنها بعضاً من وطأة الشك الذي رافقها قرابة تسعة أعوام، ومع ذلك، لا يزال مصير والد "منار"، الذي كان موجوداً في المبنى وفق المعلومات الواردة في التحقيق غير محسوم.
وتبرز هذه القضية البعد الإنساني للتعرف الجيني؛ فالمسألة لا تتعلق بتحديد هوية الرفات فحسب، بل بإنهاء حالة الانتظار والتمكن من اتخاذ خطوات عملية، مثل الدفن وتسجيل الوفاة واستعادة حق العائلات في معرفة مصير أقاربها.
من البلاغ إلى المطابقة الجينية
توضح بيانات الهيئة الوطنية للمفقودين، التي نقلتها "رويترز"، حجم العمل المطلوب لتوسيع نطاق هذه النتائج. فقد جمعت الهيئة نحو 96 ألف ملف من وزارات سورية ومنظمات غير حكومية، إلى جانب قرابة ألفي عينة من رفات بشرية، و29 عينة مرجعية من أقارب مفقودين في قضايا ظهرت فيها مؤشرات لاحتمال المطابقة، وأسفرت حالتان من الحالات التي عملت عليها الهيئة عن تحديد هوية مؤكدة.
وتستقبل الهيئة، بحسب التقرير، ما متوسطه 100 بلاغ جديد يومياً عبر برنامج "أثر"، الذي أُطلق في 30 آب 2026 بهدف استقبال بلاغات المفقودين والمختفين قسراً، والمساهمة في بناء سجل وطني، لكن البلاغات والملفات والعينات لا تمثل حالات تعرُّف مؤكدة؛ فلكل منها وظيفة مختلفة في مسار البحث والتحقق.
وتبدأ الإجراءات بتوثيق المعلومات التي تقدمها العائلات، ثم جمع الأدلة وحماية مواقع العثور على الرفات واستخراجها وفق الأصول، وجمع عينات مرجعية من الأقارب بموافقتهم، قبل إجراء التحليل والمقارنة ومراجعة النتائج، وتتطلب هذه العملية توثيق سلسلة حيازة الأدلة وضبط الجودة وحماية البيانات البيولوجية والشخصية، لضمان موثوقية النتائج وعدم تعريض حقوق الأسر للخطر.
كما أن تحديد الهوية لا يثبت بمفرده سبب الوفاة أو الجهة المسؤولة عنها؛ فهذه مسائل تحتاج إلى أدلة وتحقيقات منفصلة، وقد تدخل ضمن مسارات قضائية وجنائية مستقلة.
مختبرات قيد التطوير وشراكات دولية
وفي خطوة نحو تعزيز القدرات المحلية، أعلنت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) في 18 أيلول 2026 أن خبراء من الهيئة الوطنية للمفقودين أكملوا تدريباً في "لاهاي"، استمر من 14 إلى 18 أيلول، وشمل مراحل العمل المخبري للحمض النووي، ومقارنة الملفات الجينية وضمان الجودة، إلى جانب مناقشة تطوير مختبر وطني متخصص.
وتشير "رويترز"، إلى أن الهيئة تعمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إنشاء مختبر لتحليل الحمض النووي، يُفترض إنجازه بحلول أيار 2027، كما تعمل على مشروع مختبر ثانٍ بالتعاون مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، بدعم من الاتحاد الأوروبي، ولا يعني الإعلان عن هذه المشاريع أن شبكة مختبرات وطنية متكاملة أصبحت جاهزة؛ إذ لا يزال بناء القدرات الفنية وتوفير المعدات وتأهيل الكوادر وتطوير قواعد البيانات يتطلب وقتاً وتنسيقاً وموارد مستدامة.
وتؤدي الجهات المعنية أدواراً متكاملة لكنها ليست متطابقة، فالهيئة الوطنية تضطلع بمهام مؤسسية تتعلق بملف المفقودين، فيما تسهم المنظمات الإنسانية والحقوقية والفرق الجنائية المتخصصة في التوثيق والتحليل ودعم الأسر كلٌّ ضمن اختصاصه، ويظل التنسيق وتبادل المعلومات وفق ضوابط واضحة ضروريين لتجنب تكرار الملفات وضمان عدم إقصاء العائلات عن مسار البحث.
تقديرات واسعة واحتياجات مستمرة
تتراوح التقديرات الأممية لعدد المفقودين في سوريا بين 130 ألفاً و300 ألف شخص، وفق ما أورده تقرير "رويترز"، ويعكس هذا النطاق حجم الأزمة، لكنه ليس إحصاءً نهائياً موحداً، ولا يعني أن جميع الحالات موثّقة أو أن مصير أصحابها معروف.
وتبقى قضية عائلة الرقة مثالاً على ما يمكن أن تحققه تقنيات التعرف الجيني في حالة محددة، فيما يمتد ملف المفقودين في سوريا إلى حالات اختفاء قسري واحتجاز ارتبطت بممارسات النظام السابق، فضلاً عن حالات فقدان مرتبطة بالنزاع والهجرة وأسباب أخرى.
وتواجه جهود التعرف تحديات تشمل صعوبة الوصول إلى بعض المواقع، وتفاوت جودة الأدلة المتاحة، والحاجة إلى جمع عينات من الأقارب، ونقص الخبرات والتجهيزات المتخصصة، فضلاً عن ضرورة توفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للأسر التي عاشت سنوات من عدم اليقين.
ولا تقتصر آثار الاختفاء على غياب الأشخاص أنفسهم؛ إذ توثق اللجنة الدولية للصليب الأحمر أعباء نفسية واقتصادية وقانونية طويلة الأمد تواجه أسر المفقودين نتيجة استمرار الغموض بشأن مصير ذويهم. وتتحمل نساء كثيرات مسؤوليات إضافية في إعالة الأسرة ورعاية الأطفال ومتابعة البحث عن المفقودين، وفق ما وثقته اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ما يجعل كشف المصير جزءاً من معالجة آثار اجتماعية وإنسانية أوسع.
ما الذي يمكن أن تقدمه هذه النتائج للكونغرس الأميركي؟
بالنسبة إلى الكونغرس الأميركي، تفتح النتائج مجالاً لتقييم خيارات دعم القدرات الفنية والتعاون الدولي وحماية الأدلة ضمن ملفات حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والمساعدات الخارجية، ويمكن أن يشمل ذلك دراسة فرص التدريب المتخصص، ودعم إجراءات توثيق الأدلة وحماية البيانات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات السورية والجهات الدولية، وتوسيع الخدمات القانونية والنفسية المتاحة للعائلات.
لكن هذه الخيارات تظل مقترحات قابلة للدراسة، ولا تثبت بحد ذاتها وجود تمويل أميركي جديد أو التزام مالي معتمد لإنشاء المختبرات.
إن تحديد هوية سبعة أفراد من عائلة واحدة، إلى جانب حالتي التعرّف اللتين أنجزتهما الهيئة الوطنية، يمثل تقدماً ملموساً في ملف المفقودين، لكنه ليس حلاً شاملاً للأزمة، وسيعتمد تحويل هذه النتائج إلى مسار مستدام على بناء مؤسسات موثوقة وضمان استقلالية الإجراءات ودقتها، وحماية خصوصية العائلات وإتاحة فرص متكافئة أمامها للوصول إلى خدمات البحث.
فالمعيار الحقيقي للتقدم لن يكون عدد المطابقات الجينية وحده، بل قدرة المؤسسات على مواصلة البحث بشفافية، وتقديم إجابات موثوقة للأسر، واحترام حقها في معرفة مصير أحبائها ودفنهم بكرامة.
إعداد: هاني هاشم