مقال كونجرس

من الإخفاء إلى التحقق: سوريا تفكك إرث الأسلحة الكيميائية

من الإخفاء إلى التحقق: سوريا تفكك إرث الأسلحة الكيميائية

“`html

 

بدأت سوريا اتخاذ خطوات قابلة للتحقق لتفكيك بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية الموروث من عهد بشار الأسد، بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك تدمير ذخائر من الفئة الثالثة، والكشف عن مواقع ومواد ومنشآت لم تكن معلنة سابقاً. ويعكس التقدم الحالي تحولاً مهماً نحو الشفافية والامتثال، لكنه لا يعني إغلاق الملف؛ إذ لا تزال عملية تحديد كامل نطاق البرنامج، والتحقق من التدمير، والحفاظ على الأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية مستمرة.

بدأت سوريا بتدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية الموروث من عهد بشار الأسد، ولا تكمن أهمية الخطوة في عدد الذخائر التي أزيلت، بل في الطريقة التي تجري بها العملية بداية من كشف لمواد كيميائية ومواقع لم تكن معلنة سابقاً، مروراً بوصول للمفتشين الدوليين، وتدمير قابل للتحقق، بالتوازي مع مسار لمحاسبة المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة. فهل تستطيع مؤسسات الدولة السورية الجديدة تحويل ملف ارتبط طويلا بالإخفاء وعدم الامتثال إلى عملية مؤسسية تقوم على الشفافية والقانون الدولي؟

ماذا تحقق منه المفتشون؟

في 3 سبتمبر/أيلول، أفادت رويترز بأن سوريا بدأت تدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية السري الذي عثر عليها في البلاد في مايو/أيار. وخلال إحاطة لمجلس الأمن، قالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، إيزومي ناكاميتسو، إن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحققت، للمرة الأولى منذ عام 2014، من تدمير ذخائر كيميائية في سوريا، وشمل ذلك 42 قنبلة جوية تحققت المنظمة من تدميرها غير القابل للعكس (تدمير لا رجعة فيه) خلال مهمة في أغسطس/آب.

وبحسب ما أوردته رويترز، تتعلق العملية بذخائر من الفئة الثالثة، وهي ذخائر غير معبأة ومعدات مرتبطة بإيصال عوامل كيميائية، وليست 42 قنبلة مملوءة بعامل كيميائي. وعليه، فإن ما تحقق منه المفتشون هو تدمير ذخائر ومعدات محددة، لا إثبات إزالة جميع المواد أو العوامل الكيميائية المحتملة التي قد تكون بقيت من البرنامج السابق.

اكتشافات توسع نطاق المهمة

كان الكشف عن البقايا في مايو/أيار نقطة تحول في مسار الملف، إذ تكشف التطورات السابقة أن مهمة التدمير لا تنفصل عن مهمة الكشف. ففي بيان رسمي بتاريخ 27 مايو/أيار، قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن فريقاً من خبرائها انتشر في سوريا منذ مطلع الشهر للمساعدة في إعداد جرد كامل ودقيق لبقايا البرنامج الموروث من عهد الأسد.

وأوضحت المنظمة أن أكثر من 100 موقع في أنحاء البلاد يعد محتمل الصلة بالبرنامج، وأن الفريق ركز على مجموعة من المواقع ذات الأولوية في مناطق تقع ضمن مثلث حماة وحمص واللاذقية.

وأضافت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بحسب البيان نفسه، أن البعثة عثرت على عشرات الذخائر الكيميائية التي لم تكن معلنة سابقا، من بينها قنابل جوية من النوع نفسه المستخدم في هجمات اللطامنة في مارس/آذار 2017، وخان شيخون في أبريل/نيسان 2017. كما أشارت إلى العثور على صواريخ مرتبطة بالنوع المستخدم في هجوم الغوطة، إلى جانب مواد كيميائية ومعدات وآلاف الصفحات من الوثائق.

ولم تتوقف الاكتشافات عند ما عثرت عليه البعثة. فقد أعلنت السلطات السورية لاحقاً لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن منشأة إضافية لإنتاج الأسلحة الكيميائية، ومادة كيميائية مكتشفة حديثا تستخدم في إنتاج عوامل الأعصاب، وذخائر كيميائية فارغة، ومنشأتين لتخزين الأسلحة الكيميائية، وفق ما نقلته رويترز عن إحاطة الأمم المتحدة في 3 سبتمبر/أيلول.

هذه المعطيات تجعل من الصعب اعتبار التدمير الحالي خاتمة للملف. فقبل أن يصبح بالإمكان الحديث عن إزالة كاملة وموثقة، يتعين استكمال تحديد المواقع والمواد، وتحليل العينات والوثائق، ومراجعة الإعلانات الرسمية، ثم إخضاع عمليات التدمير للتحقق المستقل.

من تغيير الخطاب إلى اختبار المؤسسات

تعود خلفية الأزمة إلى أن الحكومة السورية السابقة لم تعلن، بحسب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، النطاق الكامل لبرنامجها، وحاولت تضليل المنظمة والمجتمع الدولي بشأن حجمه. فالتعاون الحالي مع المنظمة يعني عملياً السماح بالوصول إلى المواقع، وإجراء المقابلات، وجمع العينات والوثائق، وتأمين المواد والمنشآت، ثم تنفيذ خطط تدمير قابلة للتحقق المستقل، وكانت سوريا قد انضمت إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية عام 2013 وقدمت إعلانا أوليا عن برنامجها، لكن المنظمة واصلت تسجيل مسائل معلقة تتعلق بدقة الإعلان واكتماله.

وأعلنت وكالة الأنباء السورية سانا في 30 يونيو/حزيران مشاركة وفد سوري يضم ممثلين عن عدد من الوزارات والهيئات الوطنية في دورة تدريبية تستضيفها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مدينة لاهاي، بهدف تعزيز فهم الكوادر الوطنية السورية لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ومتطلبات تنفيذها، وتبادل الخبرات مع المنظمة والدول الأعضاء، بما يسهم في مواءمة عمل المؤسسات الوطنية السورية مع أحكام الاتفاقية.

في المقابل، قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 9 يوليو/تموز إن مجلسها التنفيذي قرر، بالتوافق، إعادة حقوق سوريا وامتيازاتها التي كانت معلقة منذ عام 2021. ولم يكن القرار إعلانا عن اكتمال الامتثال، بل جاء بعد تقدم موثق شمل تعديل الإعلان الأولي، وإعداد اتفاقات للمنشآت، وتسهيل أنشطة التحقق، ووضع خطط للتدمير. كما أقر المجلس خطة تفصيلية للتحقق من تدمير أسلحة الفئة الثالثة في القطيفة، واتفاقين للتحقق من منشأتي تخزين في القطيفة وحمص.

في حين قالت وكالة الأنباء السورية سانا بتاريخ 3 سبتمبر/أيلول إن مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، أعلن في جلسة لمجلس الأمن الدولي بدء عملية تدمير بعض المواد الكيميائية التي تم العثور عليها في سوريا، وذلك ضمن إجراءات التحقق المتبعة للأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مشيراً إلى أنها “لحظة تاريخية”، وأوضح أن عملية التدمير هي الأولى منذ تحرير سوريا من النظام السابق، وكذلك أول عملية تدمير لذخائر كيميائية على الأراضي السورية منذ عام 2014، مؤكداً أن هذا التطور يبرهن على أن الملف الذي شكل لسنوات مصدراً للخطر على السوريين والعالم، يمكن أن يتحول إلى نموذج للدبلوماسية المقترنة بالإرادة الصادقة وروح التعاون الدولي.

وحذر مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة أنه من المستحيل النجاح في هذه المهمة، وفي مهمة التعامل مع المواد النووية والخطوات غير المسبوقة في سياقها، وسوريا تتعامل مع من يحاول المساس باستقرارها واستقرار المنطقة بأسرها، لافتاً إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة أعاقت عمليات البحث والتدمير وإلى وقفها كليا في بعض المراحل، وعرضت الفرق السورية وفرق المنظمة والمواقع التي يجري تأمينها للخطر.

وأشار علبي في الجلسة إلى تفاصيل التقدم المحقق متاحة في تقارير الحكومة السورية والمنظمة، مؤكداً على موقف سوريا من العدالة والمساءلة ثابت ولا يحتمل المساومة، وأنها ماضية في بناء شراكات دولية لدعم مسارات العدالة الوطنية.

وتكمن دلالة ذلك في أن التعاون لم يعد يقاس بالتصريحات السياسية وحدها، بل بإجراءات قابلة للرصد من خلال الوصول إلى المواقع والحصول على المعلومات والوثائق بصورة دقيقة وحمايتها وتنفيذ خطط التدمير تحت رقابة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

نزع السلاح لا يلغي المساءلة

يبقى المسار الجنائي موازيا لمسار إزالة الخطر المادي، فقد أوردت رويترز أن السلطات السورية احتجزت في وقت سابق من العام الحالي 18 مشتبها بهم على خلفية أدوار مزعومة في برنامج الأسلحة الكيميائية للنظام السابق، بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وتقنيون، وأنها تستعد لأول جلسة قضائية في هذا الملف.

وفي 22 يناير/كانون الثاني، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نتائج تقريرها الخامس لفريق التحقيق وتحديد الهوية، قائلة إن لديها أسبابا معقولة للاعتقاد بأن سلاح الجو العربي السوري كان مسؤولا عن هجوم كيميائي في بلدة كفر زيتا بمحافظة حماه السورية في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2016. وذكرت المنظمة أن السلطات السورية الجديدة تعاونت للمرة الأولى مع التحقيق، وقدمت وصولا كاملا إلى البلدة والصحول على معلومات ووثائق ذات صلة.

وقد رحبت نائبة ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، تامي بروس، في 3 سبتمبر/أيلول، بالتقدم الذي أحرزته سوريا، وأشارت إلى مشاركة الولايات المتحدة في قرار إعادة حقوق سوريا داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع الدعوة إلى استمرار الدعم الفني ومساعدة سوريا في تقديم المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة إلى العدالة.

الأهمية لصانعي السياسات

يمثل تدمير ذخائر كيميائية تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إلى جانب الكشف عن مواقع ومواد لم تكن معلنة سابقاً، مؤشراً على تحول في تعامل مؤسسات الدولة السورية مع ملف ظل لسنوات محل نزاع بشأن الشفافية والامتثال.

وبالنسبة إلى المراجعة أمام الكونغرس، تتمثل المؤشرات الرئيسية في استمرار وصول المفتشين إلى المواقع، واستكمال الجرد والتحقق من المواد والمنشآت غير المعلنة، وتنفيذ عمليات التدمير بصورة قابلة للتحقق، والحفاظ على الأدلة، ومدى تقدم مسارات المساءلة القضائية عن الاستخدام السابق للأسلحة الكيميائية.

إذن، الاختبار الحقيقي لن يكون في تدمير 42 ذخيرة فقط، بل في قدرة المؤسسات السورية على مواصلة الكشف والتحقق والتدمير، مع الحفاظ على الأدلة وفتح الطريق أمام مساءلة موثوقة. فإزالة الخطر المادي، واستكمال كشف البرنامج، ومحاسبة المسؤولين، مسارات متوازية لا يمكن لأحدها أن يحل محل الآخر. والتقدم الحالي مهم، لكنه لا يعني أن ملف الأسلحة الكيميائية السورية قد أغلق.

بقلم Tony Bassmaji

أساس المصادر: يستند هذا المقال إلى بيانات وتقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الصادرة في 22 يناير/كانون الثاني، و27 مايو/أيار، و9 يوليو/تموز 2026، ووثائق المجلس التنفيذي للمنظمة، وتقارير Reuters، وبيانات وإعلانات وكالة الأنباء السورية سانا، إضافة إلى إحاطة مجلس الأمن الدولي في 3 سبتمبر/أيلول بشأن التقدم في ملف الأسلحة الكيميائية السوري.

أُعدّ للمراجعة أمام الكونغرس ضمن تغطية شبكة سيريا مورس الإخبارية لنزع الأسلحة الكيميائية، والامتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والشفافية المؤسسية، والمساءلة عن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.

“`