بعد أكثر من عقد من العزلة المالية، تعود سوريا إلى شبكة “سويفت” (The Society for Worldwide Interbank Financial Telecommunications)، وهي المنظومة التي تشكل العمود الفقري للتحويلات المصرفية الدولية. هذه العودة لا تعني فقط رفع العقوبات التقنية، بل يمكن وصفها بأنها إعادة إدماج حقيقية لسوريا في الاقتصاد العالمي بعد سنوات طويلة من الاعتماد على القنوات غير الرسمية
تشبه هذه الخطوة إعادة فتح طريق سريع بعد سنوات من السير في طرق فرعية وعرة. فعلى المستوى العملي، ستنعكس عودة سويفت على مختلف شرائح المجتمع السوري، من الأسر والمغتربين إلى التجار والمستثمرين
تأثير مباشر على الأسر والمغتربين
بالنسبة للأسر التي تعتمد على تحويلات أبنائها في الخارج، تمثل عودة سويفت انفراجا طال انتظاره
فمن الآن فصاعدا، يمكن إرسال واستقبال الأموال عبر البنوك السورية الرسمية، بكلفة أقل وسرعة أكبر وأمان أعلى
ستنخفض عمولات الحوالات مقارنة بالسوق الموازية، وسيمكن تتبع التحويلات والحصول على إشعارات فورية، ما يعني تراجعا تدريجيا لدور السوق السوداء في هذا المجال
تحول نوعي للتجار وأصحاب الشركات
بالنسبة لقطاع التجارة والصناعة، فإن عودة سويفت تعني تغيير قواعد اللعبة بالكامل
سيتمكن التجار من فتح اعتمادات مستندية تضمن حقوقهم في التعامل مع الموردين الأجانب، وتقلل من مخاطر الدفع المسبق أو فقدان البضائع
كما أن عودة الثقة بالمصارف السورية ستخفض تصنيفها كمصارف “عالية المخاطرة”، ما ينعكس في انخفاض تكاليف الاستيراد وتوسع الخيارات أمام التجار لشراء المواد الخام والسلع بجودة أفضل
رسالة طمأنة للمستثمرين
وجود سوريا من جديد على شبكة سويفت هو إشارة جدية للمستثمرين الدوليين بأن السوق السورية بدأت تسير على طريق التعافي والالتزام بالقواعد المالية العالمية
إمكانية إدخال رؤوس الأموال وإخراج الأرباح بحرية وشفافية هي شرط أساسي لأي استثمار أجنبي مباشر، وعودة هذه القناة الرسمية تشكّل خطوة تمهيدية نحو مشاريع كبيرة في مجالات الطاقة والبنية التحتية
تحديات الانتقال إلى النظام الجديد
لكن هذه العودة ليست بلا عقبات
فبعد أربعة عشر عاما من الانقطاع، تواجه المصارف السورية تحديا كبيرا في تحديث أنظمتها التقنية وتدريب كوادرها على المعايير المصرفية الحديثة
كما أن البنوك العالمية ستتعامل بحذر في البداية، عبر تحويلات محدودة واختبارية قبل الانتقال إلى التعاون الكامل
بداية مرحلة جديدة
رغم الحذر، إلا أن العودة إلى سويفت تمثل الخطوة العملية الأولى نحو إعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس سليمة
هي ليست مجرد مسألة فنية تتعلق بالتحويلات البنكية، بل بداية مشروع حياة جديد للمجتمع السوري، يعيد الثقة بالقطاع المالي ويعيد فتح الباب أمام الحركة الاقتصادية الطبيعية
عودة سويفت، إذن، هي أكثر من ربط تقني… إنها رمز لعودة النبض إلى الجسد الاقتصادي السوري


