«14 عاما من النزاع وإرث لم ينته»
بعد أكثر من أربعة عشر عاما من النزاع في سوريا، لا تزال آثار الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، ليس فقط عبر الدمار، بل من خلال الذخائر المتروكة والذخائر غير المنفجرة التي خلفتها سنوات طويلة من العمليات العسكرية. ورغم تراجع الأعمال القتالية في المناطق، إلا أن خطر هذه الذخائر ما زال قائما، مهددا حياة المدنيين، ولا سيما في المناطق الريفية التي شهدت خطوط تماس ونزاع مباشر.
«ريف حماة… مناطق تماس سابقة»
يعد ريف محافظة حماة، ولا سيما الريف الشرقي والشمالي، من أكثر المناطق تضررا بانتشار الذخائر غير المنفجرة، حيث كانت العديد من القرى مناطق جبهة وحدودية مع مناطق أخرى، مما أدى إلى ترك كميات كبيرة من الذخائر في الأراضي الزراعية، وعلى أطراف القرى، وفي محيط المنازل والطرقات.
يصعب على السكان تحديد مواقع هذه الذخائر بدقة، ما يجعل التنقل والعمل اليومي محفوفين بالمخاطر.
«العائدون من الشمال بين الحاجة والخطر»
ومع عودة آلاف العائلات من المخيمات في شمال سوريا إلى قراهم في الريف، يواجه السكان واقعا صعبا يتمثل في محاولة إعادة بناء حياتهم في بيئة غير آمنة، وتفرض الحاجة الاقتصادية ومتطلبات الحياة اليومية على الأهالي العمل في الزراعة أو رعي المواشي أو التنقل عبر طرق غير مؤمنة، ما يزيد من احتمالية التعرض لحوادث ناجمة عن الذخائر غير المنفجرة.
«ضحايا بشكل شبه يومي»
وتسجل مناطق ريف حماة حوادث متكررة نتيجة انفجار الذخائر المتروكة أو غير المنفجرة، تطال مدنيين أثناء العمل في الأراضي الزراعية أو أثناء عبور الطرقات، إضافة إلى إصابات بين الأطفال. ويؤكد متابعون للشأن الإنساني أن هذه الذخائر تشكل أحد أبرز مصادر الخطر على حياة المدنيين، حتى في ظل غياب المواجهات العسكرية.
«جهود التوعية والمسح التقني و غير التقني»
وفي مواجهة هذا الواقع، تبذل فرق الدفاع المدني، إلى جانب عدد من الشركات والمنظمات المحلية والدولية، جهودا متواصلة للحد من المخاطر، من خلال تنفيذ حملات توعية ونشر السلوك الأكثر أمانا، تستهدف الأهالي والأطفال على حد سواء.
كما تنفذ فرق متخصصة أعمال المسح غير التقني، التي تهدف إلى تحديد المناطق الملوثة بالذخائر وتقييم مستوى الخطورة، تمهيدا لوضع خطط الإزالة أو التحذير.

«فتح الطرقات وتأمين العودة»
وتتركز الجهود الهندسية الحالية على إزالة الذخائر المتروكة من الطرقات الرئيسية والممرات الحيوية وإزالة الأنقاض، بهدف فتحها أمام حركة السكان وتأمين عودة الأهالي إلى القرى التي كانت خارج السيطرة سابقا.
ويعد تأمين الطرق خطوة أساسية في دعم الاستقرار، وتمكين السكان من الوصول إلى أراضيهم ومنازلهم بأمان نسبي.
«الأمطار تعقد عمل الفرق»
وتسهم العوامل الطبيعية، ولا سيما الهطولات المطرية الغزيرة، في تعقيد مهام الفرق الهندسية وفرق المسح غير التقني، حيث تؤدي الأمطار والسيول إلى تحريك الذخائر من مواقعها الأصلية، ما يزيد من صعوبة تحديد أماكنها بدقة. كما تؤثر الظروف الجوية على قدرة الفرق على الوصول إلى بعض المناطق، وتؤخر عمليات الإزالة.
«نهر العاصي… ممر خطر للذخائر»
قال محمود، أحد سكان القرى الواقعة على مجرى نهر العاصي، إن مجرى النهر على امتداده يحتوي على ذخائر متروكة، موضحا أن بعض السكان يعتقدون أن النهر مكان مناسب للتخلص من هذه الذخائر. وأضاف أن هذه المخلفات تظهر على السطح خلال فصل الصيف عند جفاف مجرى النهر، ما يشكل خطرا مباشرا على الأهالي، فضلا عن أن مياه النهر الجارية تنقل الذخائر بين القرى الواقعة على ضفافه.
«الأطفال الأكثر عرضة للخطر»
من جهتها، أكدت نبيلة، وهي من سكان إحدى قرى الريف، أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة لمخاطر مخلفات الحرب، مشيرة إلى أن “الأطفال بطبيعتهم فضوليون، ويقضون معظم وقتهم في اللعب خارج المنازل، ما يجعلهم عرضة لملامسة أجسام خطرة دون إدراك مخاطرها”. وشددت على أهمية تكثيف التوعية الموجهة للأطفال والأهالي.
«صعوبة الإحصاء والحاجة لسنوات»
وقال محمد، أحد موظفي فرق المسح غير التقني، إن المعاناة كبيرة في ريف حماة الشرقي والشمالي، نظرا لأن غالبية القرى كانت مناطق نزاع وجبهات سابقة، ما يجعل عملية حصر جميع الذخائر غير المنفجرة في غاية الصعوبة. وأضاف أن إزالة هذه الذخائر تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل المتواصل، مؤكدا أن الهدف الحالي يتمثل في تقليل المخاطر ونشر السلوك الآمن إلى حين استكمال عمليات الإزالة.
«طريق طويل نحو الأمان»
وبينما تستمر جهود التوعية والمسح والإزالة في ريف حماة، تبقى الذخائر المتروكة خطرا صامتا يرافق السكان في تفاصيل حياتهم اليومية. ويتطلب الوصول إلى مجتمع آمن سنوات من العمل المتكامل، وتعاونا بين الجهات المختصة والمجتمع المحلي، لضمان حماية الأرواح، وتمكين الأهالي من العودة والاستقرار في مناطقهم بأمان.


