لا يمكن توصيف الوضع في المنطقة الشرقية من سوريا على أنه مستقر أو هادئ، بل على العكس، تعيش هذه المنطقة حالة من الاضطراب الأمني والاجتماعي العميق، مع قابلية عالية للانفجار في أي لحظة. فالتداخل بين الصراع المسلح، والانقسامات المجتمعية، وتشابك الأجندات الإقليمية، يجعل الشرق السوري إحدى أكثر الساحات الجيوسياسية تعقيدا في البلاد، ما يفرض دورا ضابطا وفاعلا للولايات المتحدة الأمريكية بوصفها الطرف القادر على إدارة هذه التوازنات الهشة.
صراعات مفتوحة ومتداخلة
أمنيا، تشهد المنطقة الشرقية صراعا مفتوحا بأشكال متعددة، أبرزها الاحتكاكات المسلحة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب توترات كامنة وقابلة للتفجر مع العشائر العربية، التي تشعر بتهميش سياسي واقتصادي متزايد. هذه العوامل، مجتمعة، تخلق بيئة غير مستقرة، لا تحكمها خطوط تماس ثابتة، بل مساحات رمادية يمكن أن تتحول بسرعة إلى مواجهات واسعة إذا غاب عامل الضبط الخارجي.
تشابك كردي إقليمي معقد
ويزداد المشهد تعقيدا مع التدخلات الإقليمية غير المباشرة، لا سيما التشابك بين أكراد سوريا وكل من أكراد العراق وأكراد تركيا، حيث تتداخل الاعتبارات القومية مع الحسابات الأمنية والسياسية للدول المجاورة. هذا الواقع يحول المنطقة الشرقية إلى نقطة احتكاك إقليمي، تتجاوز أبعادها الجغرافيا السورية، وتضعها في قلب معادلات أمن الحدود، وموازين القوى الكردية، ومخاوف التفكك أو إعادة الرسم السياسي.
واشنطن كضابط إيقاع
في هذا السياق، يبرز الدور الأمريكي ليس كطرف منحاز، بل كضابط إيقاع أساسي لهذه التناقضات. فالولايات المتحدة، بحكم علاقاتها المتقدمة مع الإدارة الذاتية من جهة، ومع حكومة دمشق الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع من جهة أخرى، تملك القدرة على لعب دور الوسيط والمانع لانزلاق الصراعات إلى مواجهة شاملة. هذا الدور لا يقوم على فرض حلول نهائية، بل على إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وإبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها.
هشاشة الاقتصاد والموارد
اقتصاديا، لا يقل المشهد هشاشة عن الوضع الأمني. فالمنطقة الشرقية تعاني من اختلالات بنيوية في توزيع الموارد، واحتقان اجتماعي مرتبط بالنفط والزراعة وفرص العمل. وهنا يظهر الدور الأمريكي كعامل كبح لانهيار اقتصادي أوسع، من خلال الضغط باتجاه ترتيبات عملية تسمح باستمرار تدفق الموارد، ومنع استخدامها كأداة صراع، إضافة إلى تسهيل دخول المساعدات وتخفيف القيود التي قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي واسع.
توازن هش وضرورة أمريكية
خلاصة القول، إن المنطقة الشرقية من سوريا لا تقف على أرضية استقرار، بل على حافة توازن شديد الهشاشة. وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو الوجود الأمريكي خيارا سياسيا إضافيا، بل ضرورة وظيفية لمنع الانفجار الكبير. فالإدارة الأمريكية اليوم مطالبة بلعب دور الضابط الاستراتيجي، القادر على إدارة شبكة العلاقات المتشابكة بين دمشق الانتقالية، والإدارة الذاتية، والعشائر، والأطراف الإقليمية، بما يحد من الفوضى، ويؤجل، أو يمنع، انهيارا واسعا ستكون كلفته باهظة على سوريا والمنطقة


