هل سوريا بحاجة إلى الخصخصة؟ بين الوهم والضرورة
النقاش حول الخصخصة في سوريا يشبه المشي على حبل مشدود بين برجين متصدعين: لا سقوط الخيار، ولا رفاهية تجاهله. المشكلة أن الخصخصة ليست وصفة سحرية، ولا كارثة مطلقة. هي أداة اقتصادية تحتاج بيئة مؤسساتية سليمة حتى تؤتي ثمارها. وفي سوريا، البيئة هي القصة كلها.
الاقتصاد السوري اليوم: منشأة عامة كبيرة تعمل بأقل من طاقتها
السوق السورية تتحرك بآليات غير مكتملة: احتكار حكومي في قطاعات، احتكار خاص في قطاعات أخرى، ضعف الحوكمة، وغياب مساءلة حقيقية. المشروعات الحكومية تعاني من تراجع الاستثمار، والإدارة التقليدية، والبيروقراطية التي تستهلك أكثر مما تنتج.
هذا يفتح الباب طبيعيا أمام سؤال:
هل يمكن أن تكون الخصخصة هي نقطة بداية لإعادة تشغيل العجلات المعطلة؟
لماذا تطرح الخصخصة اليوم؟
لأن الدولة السورية لم تعد قادرة على تمويل أو تحديث أغلب أصولها الإنتاجية. ولأن القطاع العام أصبح أصلا غير مستثمر، يستهلك السيولة بدل أن يضخها. لذلك يتحول النقاش من “هل نريد الخصخصة؟” إلى “كيف نمول بقاء القطاع العام أصلًا؟”.
إيجابيات الخصخصة: الوجه الذي يغري أصحاب القرار
الخصخصة ليست شعارا أيديولوجيا، بل أداة إدارة أصول. يمكن أن تقدم قيمة إذا نُفذت في سوق شفافة وتنافسية. أهم مكاسبها المحتملة في سوريا:
1. ضخ رأس المال الجديد
القطاع العام اليوم لا يملك قدرة تمويل تحديث معامل أو خطوط إنتاج. دخول رأس المال الخاص يفتح دورة استثمار جديدة.
2. تحسين الكفاءة التشغيلية
الشركات الخاصة تميل إلى إدارة رشاقة، تخطيط استراتيجي، وتعظيم العائد، بخاصة في قطاعات مثل النقل، الاتصالات، الطاقة البديلة، والصناعات الغذائية.
3. تقليل العبء المالي على الدولة
بدل دعم مؤسسات خاسرة، تستطيع الدولة إعادة توجيه مواردها إلى التعليم والصحة والبنى التحتية.
4. تعزيز المنافسة
إذا كانت بيئة السوق سليمة، دخول شركات خاصة يخلق ديناميكية أفضل للسعر والجودة والخدمة.
5. نقل التكنولوجيا
الاستثمار الخاص عادة يجلب معه تكنولوجيا أعلى، خصوصا إذا كان الاستثمار خارجيا أو بشراكة مع شركات إقليمية.
سلبيات الخصخصة: الوجه الذي نخشى رؤيته
سوريا ليست سوقا اعتيادية. هي سوق مرتبكة، محكومة بتشريعات متغيرة وتوازنات سياسية واقتصادية دقيقة. في هذا السياق، الخصخصة تحمل مخاطر كبيرة:
1. التحول من احتكار حكومي إلى احتكار خاص
بدون حوكمة صارمة، يمكن أن تتحول الخصخصة إلى صفقات مغلقة لصالح مجموعات محددة، ما يخلق “نخبة مالكة” بدل سوق تنافسي.
2. بيع الأصول بأقل من قيمتها
في اقتصاد منهك، أسعار الأصول تكون متدنية، ما يجعل الخصخصة تفريطاً لا استثمارا.
3. تسريح العمال
القطاع الخاص يسعى لتقليل الكلفة التشغيلية، ما يعني تقليص العمالة الحكومية بشكل عنيف إذا غابت برامج حماية اجتماعية واقعية.
4. خروج القرار الاقتصادي إلى فاعلين غير مساءلين
خصخصة قطاعات حساسة مثل الكهرباء أو المرافئ أو النفط دون إطار تنظيمي حقيقي قد تنقل السيطرة على مفاصل الدولة إلى جهات غير خاضعة للرقابة المؤسسية.
5. زيادة الأسعار
عندما يدخل المستثمر الخاص دون تنظيم سعري، يتحول المواطن إلى ممول مباشر لكفاءة الشركة وليس لخدمة عامة.
هل سوريا بحاجة إلى الخصخصة؟ الجواب الواقعي
سوريا لا تحتاج “الخصخصة” بالمعنى التقليدي، بل تحتاج إعادة هيكلة اقتصادية، يكون جزء منها منح القطاع الخاص دورًا في بعض القطاعات، لكن ضمن قواعد واضحة:
تنظيم – رقابة – حوكمة – منع الاحتكار – حماية اجتماعية – تسعير منضبط.
الخصخصة ليست هدفاً. هي أداة. الأداة تصبح مدمرة إذا استخدمت في سوق غير ناضجة، وتصبح محركاً للنمو إذا وُضعت ضمن إطار شفاف.
ما تحتاجه سوريا هو نموذج “شراكات ذكية” وليس “بيع أصول”. نموذج يقوم على إدارة مشتركة، عقود أداء، وتدفقات مالية محكومة بنتائج، لا امتيازات.
الخلاصة الاقتصادية
الخصخصة في سوريا ليست خيارا أبيض أو أسود.
هي ليست الحل السحري لإنقاذ الاقتصاد، وليست المصيبة التي يجب تجنبها مطلقا.
هي خطوة تحتاج بيئة مؤسساتية صحية، نظام منافسة فعال، وقوانين واضحة تمنع التحول إلى احتكار جديد.
المعادلة الصحيحة:
إصلاح حكومي + حوكمة + شراكات قطاع خاص = اقتصاد قادر على التعافي.
هذا المسار ليس مجرد قرار اقتصادي، بل قرار يرتبط بهوية الاقتصاد السوري لعقود.


